قوانين نيوتن للذاكرة

Header_Physics_love_poemsلم يكن النوم سريع الإجابة ذلك اليوم، مما دعاني بالضرورة لتذكّر كم كان يسيرًا للغاية حينما أغمضت عيني ليلتها -وربما قبل أن أغمض- بينما تنام إلى جانبي تلك الجميلة التي قابلتها لأول مرة منذ ساعات قليلة. تعارفنا كأبناء عصر ثورة الاتصالات، من خلال أحد مواقع التواصل الاجتماعي حيث بدأت هي الحديث بتلك الحيلة التقليدية “هل التقينا من قبل؟” لكم أضحكني هذا الأمر

سار التعارف بسرعة وددت وقتها لو كان جهازي العصبي يستجيب لأمنية النوم بنفس السرعة. ردًا على حيلتها التقليدية في التعارف، استخدمت حيلة أكثر تقليدية للإسراع في اللقاء. أخبرتها بأنني -وهو أمر حقيقي للغاية- طبّاخ ماهر، وبتواطؤ رقيق منها سألتني عن الموعد لتتذوق أحد الأصناف من يدي. جاء هذا الموعد بعد ثلاث ساعات فقط من السؤال

لم يكن النوم طلبًا هيّنًا ذلك اليوم، فقررت الكتابة عن السعادة

“أتعلمين بأن آخر مرة شعرت بسعادة غامرة كانت حين وجدت تحاليل أورامك سلبيّة؟”

كم وددت أن أخبرها بذلك، هي حريصة دائمًا على اختبار مدى سعادتي بكل شيء… هداياها، طبيخها الشهي، فكاهاتها المضحكة تمامًا مثل النكات التي كانت تقولها لنا جدّتي “عطيّات فوزي” حينما كنا أطفالًا ولم أزل أذكرها بصوتها ولكنتها المتريّثة حتى اليوم. ربّما أحببت فيها الشبه بينها وبين جدّتي الراحلة. مازال هذا اليوم عالقًا في ذهني. وجدت أبي الصامد دائمًا، يبكي كطفل ضال يثير شفقة زعماء المافيا إن مرّوا به. تلك هي اللحظة الإنسانية الحقيقية التي يتحرر فيها الإنسان من الصورة التي يريد أن يبدو عليها. الآباء دائمًا يجيدون انتقاء لحظات الصمود والانهيار. وأبي عرف الانهيار للمرة الأولى حينما فقد أمّه، كان عمره 54 عامًا

أمّا أنا، ياللهول، أوّل انهياراتي كان حينما كادت الثورة أن تفشل… وتماثلت للشفاء التام من الانهيار -للأبد- حينما فشلَت بالفعل

كانت شغوفة للغاية لأن تقرأ فكرة المسلسل التي كتبتها قبل سنوات، لم أكد أرسل لها الملف وأكتب أول حرفين في بريدها الإليكتروني حتى وجدته مسجّلًا بالفعل في مراسلاتي السابقة. بحثت لأجدني قد أرسلت لها منذ سبعة أعوام مشروع الفيلم الوثائقي الذي أردت تنفيذه لأتذكّر لقاء قديم بيننا وأستدرك أن حيلتها لم تكن تقليديّة للدرجة التي ظننتها. كم كنت مغرورًا! ولكن على كل حال فلقائنا القديم لم يكن كافيًا لأتذكّر شيئًا أبعد من خفّة ظلها… وتناسق جسدها، الأمر الإضافي الذي أخرجها من منطقة الجدّة الدافئة إلى منطقة أكثر دفئًا، إلى المنطقة الأكثر دفئًا، إلى منطقة الدفء

لم يكن النوم طلبًا سهل المنال يومئذ، فأخذت أتذكّر أحداث متداخلة من الطفولة والصبا وبداية الشباب. وقد كانت الأحداث تتشابك إلى الحد الذي جعلني أغادر مكتب مدير المدرسة الذي كان يوبّخني على إلقائي نُكتة إباحية لزملائي في الفصل، لأدخل مشرحة قصر العيني لأحضر أول لقاء بيني وبين جثّة لا تجمعني بها سابق معرفة أو صلة قرابة لمجرد أن أتعرف على عضلاتها وأنسجتها وعظامها. خرجت من مشرحة الدراسة إلى مشرحة مستشفى القبطي قافزًا ست سنوات على الأقل لأجدني أمام جثة أحد أصدقائي، ثم ألقيت نظرات عابرة على لحظات خاطفة من المرح والسعادة… ورأيتني في حضرة الأستاذ رفعت، أو “مستر أينشتاين” كما كنّا نطلق عليه في المدرسة الثانوية، والذي كان يشرح لنا الفيزياء المعقّدة باستخدام أشياء ملقاة أمامه بعشوائية بحيث لا يحتاج أحدنا لاستذكار دروسه كثيرًا كي يعبر الامتحان المرعب بسلام. كانت دفعتي في الثانوية العامة هي التي يُضرب بها المثل في جحيم الفيزياء، حيث جاء الامتحان على نحو أكثر صعوبة من محاولات دونالد ترامب لتوظيف وباء الكورونا لصالح اقتصاد بلاده. رغم ذلك حصلت على الدرجة النهائية. سألني الأستاذ رفعت ببساطة في ذلك اليوم عمّا حدث في العالم عقب وفاته، أخبرته بالثورة ووصول الإخوان للحكم -وهنا امتعض للغاية- ثم الإطاحة بهم، وكذلك جهاز علاج فيروس نقص المناعة المكتسبة -وهنا امتعض أكثر- ثم وباء الكورونا الذي أصاب العالم وأعاد الإنسان لموطنه الأصلي -المنزل- بالإضافة لعدد كبير من المفارقات الكوميدية خلال الأعوام العشر السابقة. وجدته يُسقط نظّارته، كالعادة، لأسفل أنفه الضخم… ثم يخبرني أن قوانين نيوتن لم تكن لترى النور لو كان نيوتن جائعًا في لحظة سقوط التفّاحة على رأسه. فكّرت في الأمر كثيرًا وارتبكت -كعادتي أمام فلسفته- لعدم قدرتي على الرد، فابتسم ابتسامته النادرة ومازحني مزاحًا يحمل الكثير من التلميحات الجنسيّة ثم قال: “وحتّى لو كان نيوتن جائعًا يومها، كان أحدهم سيجلس مكانه في يوم آخر ببطن ممتلئة وعقل جائع لتسقط ثمرة أخرى فوق رأسه وحينها لم تكن القوانين لتختلف سوى في الصياغة اللغوية… ماذا كان ليحدث لو سقطت التفاحة فوق رأسك أنت؟ بالتأكيد كنت ستكتب الشِعر” واستيقظت قبل أن يخبرني بانطباعه عن الشعر كبديل عن قوانين الفيزياء

Response

  1. Karim Avatar

    مش بطال

    Like

Leave a reply to Karim Cancel reply