هَذه لَيلَتي.. فَلنَعِش

f54896db5b278fb8c8025ff111aec40b
محمد عبد الوهاب شارحًا أحد الإيقاعات لعازف الطبلة بفرقة أم كلثوم

في أوّل أغنية عاطفيّة بعد نكسة عام 1967، وكأن موسيقار الأجيال الأستاذ محمد عبد الوهاب قرر أن يطغى الشجن على لحنها، لتوائِم الظروف التي مَرّت بها مصر سياسيًا ومجتمعيًا، جاءت “هذه ليلَتي” بصورتها التي يعرفها الجميع، على مقام “كُرد” ومن كلمات الشاعر اللبناني “جورج جرداق” الذي توفى قبل سنوات في السادس من نوفمبر 2014.

لو أمكن للموسيقَى أن تُكتَب بحروف وكلمات لبدأ هذا النَص بالمقدمة الموسيقية للأغنية، لكن ما يمكن أن يُقال اختصارًا للوصف هو البساطة والشجن وتمايل الموسيقى مع ما هو آت من الكلمات

ثم تنهض وعلى كتفيها ما يزيد عن الأربعين عامًا من الغناء لتهمس مُجرّد هَمس: “هذه ليلَتي، وحُلم حياتي.. بين ماضٍ من الزمان وآتِ”.

وتقول كلمة “ماضٍ” بإطالة الألف ومدّها وكأنها تصف زمناً سحيقاً تراه يمُر أمامها بطوله وتفاصيله المختلفة. ثم تنطق “آتِ” بسرعة لا تتجاوز اللحظة، اللحظة التي هي زمن النظرة التي تنظرها إلى الحبيب الذي تخاطبه.

“الهوى أنتَ كلّه والأماني”، وكلمة “أنتَ” تكاد تنفصل بلحنها الخاص عن باقي الأغنية بأكملها، تُقال بإحساس هو مزيج بين النداء والتوسّل والحب، وقد يزيد عليهم محاولة الإقناع بشيء ما.

ويبدأ التمايل مع “بعد حين، يبدّل الحُب دارا”. وهذا التعبير هو الأدق على الإطلاق والأكثر اختلافاً حين نتحدث عن البدايات والنهايات، النهايات التعيسة لدى أغلب البشر والتي يراها أغلبنا وكأنها نهاية العالم، النهايات التي يظن خلالها أحد الطرفين أنه قد أخذ روح الطرف الآخر وذهب بغير رجوع، والتي يظن خلالها كثيراً أنه لن يرى بداية أخرى، وأن الحب قد انتهى بنهاية تلك القصة أو هذا الشعور الذي ينقلب كثيراً من الاندماج والتعايش إلى الانهيار والحزن، النهايات التي يراها أغلبنا كشفرة سريّة لا تمُر على ذكرى جميلة إلا وحوّلتها إلى غصّة ومرارة وألم.

أما في تلك الجملة ففي خمس كلمات استطاع جرداق أن يتجاوز كل تلك الرؤى ويهزم كل تلك النظريات، معيداً لصياغة النهايات ليضعها في أطار آخر، “يبدّل الحب دارا”. ففي الحقيقة فعلاً أن الحب لا ينتهي، ولا يسقط، ولا يهينه أن يطرحه أحدهم أو إحداهن أرضاً ويدهسه بالأقدام، ولكنه قد يغيّر داره، الحب هُنا في أغنية أم كلثوم هو الحب كمعنى مُطلق، فبعد حينٍ يبدّل الحب دارا ومثالاً على ذلك تضيف قائلة “والعصافير تهجر الأوكارَ

وتمعّناً في وصف المعنى يُقال بقمّة الشّجن وبالتفاتة إلى الماضي مرة أخرى “ودياراً كانت قديماً ديارا، سترانا كما نراها قفاراً”. فحينما يهجر الحُب البيت، البيت الذي هو حضن الأحبة ومكان التقاء أرواحهم، يصبح البيت قفراً أي مهجوراً فقيراً لا خير فيه. وهكذا يرى الجميع ما حَلّ بما كان مضيئاً بالماضي بعد ما هجره العِشق.

ثم تأتي القصيدة بالحُجّة الكُبرى، الحجّة التي يتهاوى معها آخر عنصر في المقاومة، مقاومة اللحظة التي تمتلئ بالعشق وطاقة الرغبة والحب، الحجّة التي تقول: “سوف تلهو بنا الحياة وتسخَر…”

ففي هذه العبارة التي تفهمها جيداً أم كلثوم حين تقولها، لم تكن صوتها حزيناً من كون الحياة على استعداد للهو والسخرية من العشّاق، وأن الحياة قد تفرّق القريبين وتجمع الشتيتين، لم يكن صوتها حزيناً بل كان مليئاً بالشَغَف والغواية والتطلّع، تقول له أن القادم ليس مضموناً، فلا يجب أن يفوتنا الحاضر، الذي هو هذه اللحظة التي لا يجب أن تُهدَر بمقاومة أو تمنّع، تردف قائلة “.. فتعالَ أحبّك الآن أكثر”. مرسلة برسالة قوية إلى الجميع أنه مهما تم التخطيط والقلق والأرق مما هو قادم، فلن يخضع هذا القادم إلى أي حسابات في أغلبه، فلا تهدر لحظتك الجميلة في قلق على مجهول لا تضمن أن تغيّر فيه أمراً، فلنَعِش ولنلهو بالحياة قبل أن تلهو بنا، ولنسخر من القلق قبل أن يسخر منّا.

وختاماً ودون خوض في الشرح تبرز جملة تقولها كوكب الشرق بمَرح وبهجة غير مسبوقة، مضافاً إليها جملة اعتراضيّة تمُر بالبال دون أن تُقال: “صُدفةٌ أهدَت الوجود إلينا، وأتاحت لقائنا فـ – بمُنتهى البساطة – التقينا

Response

Leave a reply to thouraiafares Cancel reply