
السماء هي السماء ذاتها، إلا لو أعمانا الاعتياد عن ملاحظة التغيّرات الدقيقة المتراكمة في لونها. يتحدث البعض عن الاصفرار الذي أصاب لون السحب وربما يكون ذلك حقيقياً إلا أن الكثير منّا لا يلاحظ ذلك أيضاً. ازداد تكدس بعض الشوارع والميادين كما خف الزحام في أخرى، بينما اختلفت انطباعات الوجوه بين البشر عدّة مرات حتى عادت للعبوس والازدراء المُستحي مرة أخرى مع نظرة دفينة تشبه نظرات التحيّن والترقّب كالقاتل المهتز الذي أجبرته مخاوفه على حمل سكّين المطبخ خلف ظهره متربصاً بعدو مجهول اسمه المستقبل، المستقبل الذي كان من المفترض أن يصبح صديقاً مُبشراً بالخير أو ابناً مرتقباً من بطن توحي بالأمل. كلها تغيّرات طفيفة لا تكاد تُرى بالعين غير العابئة ولكنها –بتفاصيلها وتطوّراتها- أكبر بكثير من أن تحدث في اثني عشر عامًا. الفترة التي بدأ فيها “نجيب محفوظ” حياته الجديدة في عالم جديد ربما عاد به إلى الحادي عشر من ديسمبر لعام 1911 مرّة أخرى ليبدأ من جديد، طفلاً محباً للسينما ثم لاعب لكرة القدم فمراهق شغوف بأصل الوجود لدارس للفلسفة تحوّل إلى كاتب مُبشر بشيء من العبقرية فعبقري حقيقي فمعجزة أدبية مكتملة الأركان.
في سنوات عمره الأخيرة لم يعد مهتماً بإخفاء جيوبه السريّة بعد. فبينما جاوز عامه التسعين بسنوات قليلة ولم يكن التدخين بالفكرة الجيدة لحالته الصحيّة، كان يجلس إلى جوار صديقه الطبيب “يحيى الرخاوي” وقد نظر نحوه موجّهاً له سؤاله عن إمكانية أن يقوم محفوظ بتدخين سيجارة واحدة بما لا يلحق المزيد من الضرر لصحّته. هنا أجابه الرخاوي بالإيجاب ليفاجئه محفوظ بدس يده داخل الجاكيت الذي يرتديه ليفتح جيباً داخلياً مخرجاً منه سيجارة كان يخبئها عن أعين الناظرين ثم أشعلها بابتسامة طفل تمكّن من دس الحلوى جيداً بعيداً عن يد أهله الذين ملأوا رأسه بالنصح والمنع.
لم يكن ذلك هو الجيب السرّي الوحيد لأديب مصر الأول، فقد كانت الحياة الخاصة لنجيب محفوظ محاطة بهالة من السريّة والتي تحوّلت فيما بعد إلى هالة مقدسة لا تستطيع يد أن تمسها رغم الشائعات الكثيرة التي لم يلتفت لها يوماً ولم يبال بها.
وكجزء من نظام حياته الصارم الذي عُرف عنه، وضع محفوظ أسراره وحياته داخل خزانة محكمة الإغلاق لا يستطيع أحد أن يضرب أرقامها السريّة سواه ولا تتمكّن يد من ملامستها إلا حين يفرج هو شخصياً عنها في الوقت المقرر لذلك كما قررت يده أن تمتد إلى الجيب السري في آخر عام له في الدنيا، كاشفة للأصدقاء عن مكان السجائر الذي لم تتمكن عين من رؤيته قبل أن يأذن ذلك الطفل العجوز الباسم.
ففي العام 1998 قرر أديبنا أن يفرج عن حزمة كبيرة من الأسرار من خلال سرده الذي تناوله اسماً وقصداً للمرة الأولى وقتذاك على مسمع ومرأى من الكاتب “رجاء النقاش” في سلسلة حوارات تطرّق فيها إلى جوانب عديدة كانت مخفيّة عن الجميع كآراءه الفنيّة وعلاقاته بالمبدعين بالإضافة إلى مغامراته الشخصية والتي كان يخوض محفوظ أغلبها بمفرده وكأنه يطرق أبواب عوالمه الأدبية بيده ليدخلها من مدخل الواقع الملموس، وهنا تجلّى لأول مرة نجيب محفوظ الراوي والبطل والكومبارس في حوالي خمسين رواية ودبّت أقدامه على أرض الواقع.
الحب الأوّل
في ساحات العبّاسية المفتوحة وشوارعها الواسعة وبيوتها الرحبة بدأ الحب في طرق أبواب قلب نجيب الذي يبلغ من العمر 13 عاماً. كانت النسمات الباردة تنهمر كالشلّال من عنان السماء إلى ساقيّ الفتى نجيب، وقد تبارى فتيان الحي على اختياره في فرق كرة القدم لتميزه وخفة حركته وقدرته على “تغزيل” الآخرين والمرور بالكرة كالساحر أو الشبح المنبثق من العدم والعائد إليه في لمح البصر. كانت قدمه مع الكرة وأعين الرفاق مع قدمه ولكن عينه لم تكن متجّهة صوب المرمى في ذلك اليوم، بل إلى تلك الشرفة التي تنفتح وتُغلق في الساعة الواحدة عدّة مرّات ليطل منها وجه كان كفيلاً بسرقة قلب الصبيّ كلوحة الجيوكاندا حينما تسرق أنظار مرتادي المعارض ومحبّي الجمال.
كان وجه الجارة ذات العشرين عاماً كفيلاً بإيقاع ما كان قد نبت من رجولة محفوظ وقتذاك. أحبّها بكل ما امتلك من براءة وبذائة، أحبها بكل جوارحه كعاشق أفلاطوني لا يطمح سوى لرؤية الوجه الصبوح والعيون اللامعة، وبكل تفاصيل جسده انفعل معها كما يتفاعل مع كرة القدم منتفضاً لاهثاً غير مبالٍ بكل اعتبارات العمر والخبرة كمُشرّد لا يحسب حساب العادة والتقليد وقوانين الطبقة الوسطى.
امتلأ قلب الولد بالعشق وصدره بالهواء النقي وكأنه يستنشقه للمرة الأولى كلما أطَلّ وجهها من نافذة بيت أهلها. كان يضاعف جهده في اللعب وهو مقتنع تمام الاقتناع أنها تتابع المباراة لتنبهر بمهاراته وكان قلبه يرقص كلما أحرز هدفاً وصفّق له زملاء الساحة، بل إنه يكاد يسمع صوت التصفيق خارجاً من بين ضلوعها مرافقاً لنبضات القلب واصلاً إلى صميم أذنه حتى ينتهي من اللعب وينظر إلى النافذة الخالية مبتسماً ثم يعود إلى منزله لممارسة طقوس الصحبة الوهمية للحبيبة البديعة. عام كامل استمر على هذا النحو وهو يحاورها بخلجات قلبه ونظرات عينه مجيباً لنفسه ومحدّثاً لها حتى علم ذات يوم أنها بصدد الزواج، فهاجت روحه غضباً وارتخى جسده حزناً وامتلأت عينه بالدموع بينما يتخيّل كيف يلامسها زوجها وكيف تبادله كلمات العشق بصوتها الذي لم يسمعه من قبل. كيف تنظر له بعينها الجميلة التي أسرت روحه! كيف تترك العاشق الصعلوك لاعب الكرة وتذهب لمن دفع فيها المال ليأسرها في منزله! كل تلك التساؤلات لم تغب عن مخيّلة الصبي الذي صار الآن شاباً يودّع عامه الجامعي الأخير مصافحاً لعصر جديد ومرحلة جديدة في عمره ناسياً –بالتدريج- قصة الحبيبة والنافذة الخاوية، والتي حاكاها فيما بعد بقصة “كمال عبد الجوّاد” في الثلاثيّة مع بعض الاختلافات الطفيفة.
في العام 1951 وقد شارف نجيب عامه الأربعين، ذهب للتنزّه في رأس البر وهنا قابل شقيقة حبيبته الأولى وبدأ في تجاذب أطراف الحديث مع أحد أفراد العائلة محاولاً التسلل لسيرة السيدة التي كانت فتاته الأولى ولازال قلبه يراها بنفس الملامح ولكن الجرأة لم تدرك أعتاب فمه ليخرج السؤال منها حتى أنه ظن أنها تجلس أمامه الآن بين سيدات العائلة في حلّة جديدة ممتلئة الجسد منتفخة الوجه تروّض أبنائها على الشاطئ ولكنه لم يستطع التعرّف على وجهها الجديد بعد 27 عاماً من آخر مباراة لعبها على شرف حبه لها الذي لم ينته.
العربدة والزواج
يعترف الأديب الكبير وهو على أعتاب السادسة والثمانين من عمره بأنه عاش حياة العربدة الكاملة في شبابه، فقد كان زبوناً دائماً على بيوت الدعارة الواردة في رواياته بكافة تفاصيلها ولغتها وقوانينها التي سنّتها لنفسها. كان هذا الشاب الموهوب في الأدب والموسيقى وكرة القدم له هوايته الخفيّة في ارتياد شقق شارع “كلوت بك” للدعارة وكباريهات وصالات روض الفرج وعماد الدين. كان معروفاً لدى العاملات بالجنس والراقصات بـ”ماكينة الجنس”. بل أنه لقّب نفسه بلقبٍ قاسٍ واصفاً تصرفاته كـ”حيوان جنسي” قائلاً بأنه لم يكن أحد ليتصور أن مصير هذا الرجل سيكون الزواج في يومٍ ما، فقد كانت العواطف والمشاعر بعيدة كل البعد عن علاقته بالنساء. كما لم يتصور أحد أن هذا الشخص دائم المغامرات الجنسية ودائم التوبة كذلك قد يصل بحياته إلى نظام صارم كالذي عُرف عنه عند الجميع وكذلك الاستقرار النفسي البعيد عن التناقض الحاد الذي عاشه في شبابه ومراهقته بين أبواب دور البغاء مساءً وأبواب التوبة إلى الله صباحاً.
كان معتمداً على والدته في كل شيء، وكان مناقضاً لذلك الاحترام والحب الذي يكنّه لوالدته تمام التناقض. قال بأن رؤيته للمرأة تطوّرت من رؤية “حيوان جنسي” إلى رؤية الرجل الذي يحترم المرأة ويؤمن بحقوق المساواة والحرية الكاملة لها. وحينما شارفت الرؤية على الاكتمال كانت ظروف المرض تحول بين أمه وبين استمرار رعايتها له كطفل لم يبرح طفولته في الاعتماد عليها في كل شيء، وهنا فكّرت والدته في أن تخطب له قريبته الثريّة التي كان يخشى الزواج منها نظراً للفوارق الطبقية بينهما ووجد حرجاً كبيراً في أن تتزوّج رجل متقلب المزاج يميل إلى الوحدة يحرمها من أسلوب حياتها الاجتماعيّ المنطلق بسبب انطوائه وميله للتوحد والعكوف على الكتابة والقراءة أكثر من الميل للاختلاط بالبشر. وكان قد حسم أمره برفض الزواج منها حينما علم أنها ستتكفل بكل مصاريف الزواج والسكن وهنا وجد في “عطية الله” ضالّته وكانت الورطة. تورّط محفوظ أمام أمه التي كانت قد طلبت يد قريبته رسمياً للزواج منه وبين عناده وصلابة مخه الذي أرشده إلى الزواج سراً من عطية والتي دخل بها في منزل أخيه “محمد” مخفياً زواجه منها على أمه ومع الوقت أصبحت عطية هي زوجة نجيب محفوظ أمام الجميع. لم يترك الأديب الكبير مناسبة إلا وشكر فيها زوجته على تحمّله ومساندته وإغراقه بالخير والحنان والمشاركة في الاهتمامات.
السياسة
تطرّقت رواية “ميرامار” إلى نقد التجربة الناصريّة أو بالأحرى رصد أخطاء ما بعد 1952 على استحياء من خلال حوارات الأبطال وبعض الأحداث، فجن جنون المشير “عبد الحكيم عامر” أقرب أفراد مجلس الثورة إلى الزعيم وأكثرهم رفضاً للنقد والرصد وخوفاً من الأقلام الجريئة. لم يكذّب خبراً فذهب عامر إلى جمال عبد الناصر موشياً بمحفوظ لديه ورافضاً بكل عزمه لعرض الفيلم في السينما بما فيه من كلام عن الاشتراكية الناصرية وتجربة السياسة الشمولية واختصار الحياة الحزبية في الاتحاد الاشتراكي إلى آخر الانتقادات التي وجهها الفيلم إلى التجربة باحتراف واقتدار. وهنا وقع ناصر في معضلة، فقد كان يقدر أدب نجيب محفوظ وكان يريد ألا تهتز صورته كراعي للفن فقرر تفويض أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة لمشاهدة وتقييم الفيلم وهنا اختار “أنور السادات” لتلك المهمة بالتزامن مع بدء وضع نجيب وعائلته تحت المراقبة والترهيب المستمر حتى أتى تقرير السادات ليس مجرد بالموافقة على عرض الفيلم بل بمدحه عظيم المدح والترويج له ودعوة المعارف لمشاهدته وهنا شعر محفوظ بأنه مسنوداً من داخل الطائفة الحاكمة بشخصٍ ما، وذلك رغم معرفته فيما بعد بأن أنور كان قد تقدم بهذا التصرف نكاية في “علي صبري” والاتحاد الاشتراكي بسبب خلافات بينهما.
مما زاد شعور الرجل بالأمان بعض الشيء تلك الزيارة التي أجراها عبد الناصر إلى جريدة الأهرام حيث صافحه ووجّه له الحديث قائلاً: “أين كتاباتك يا رجل؟ لقد افتقدناك ونود قراءة الجديد” ليجيبه محمد حسنين هيكل بأنه سيبدأ من الغد في نشر سلسلة جديدة له ولكنه “من النوع اللي يودّي في داهية” لينظر ناصر نحو هيكل قائلاً: “يودّيك انت في داهية، مش هو”.
ولكن لم تكد تلك السلسلة تُنشر إلا وفهم ناصر مقصد هيكل من الداهية، فقد كانت السلسلة هي “أولاد حارتنا”. الرواية التي وضعت ناصر في اختبار حقيقي كما وضعت نجيب تحت مراقبة وترصّد أخطر كثيراً من ترصّد السُلطة.
آفة حارتنا
أخبر محفوظ الضابط بأنه لا يظن أن أحد سيشرع في قتله يوماً ما واعتذر بأناقة ودبلوماسية عن مقترح تعيين حراسة خاصة عليه بعد إباحة دمه من قِبَل الشيخ “عمر عبد الرحمن” وعدد آخر ممن رأوا في رواية “أولاد حارتنا” تعريض بالأنبياء وتطاول على الذات الإلهيّة عقب حصوله على جائزة نوبل عام 1988، أي بعد كتابة الرواية وانتهاء أزمتها بما يقرب من 30 عاماً.
في عام 1958 وبعد توقّفه عن الكتابة لستّ سنوات، كان نجيب قد استغرق عاماً نجيبيّاً واحداً في كتابة رواية “أولاد حارتنا” (والعام النجيبيّ كان يمتد من أكتوبر إلى أبريل حيث يتمكن نجيب من الكتابة والقراءة والتواصل). وطبقاً لوعد قطعه من قبل كان عليه أن يلتزم بنشر الرواية في حلقات على صفحات جريدة الأهرام بعد موافقة هيكل على النشر.
بدأت الأزمة بجملة اعتراضية نُشرت في جريدة الجمهورية اتهم فيها أحدهم نجيب بالتعريض بسير الأنبياء والتطاول على الذات الإلهية من خلال شخصية الجبلاوي وكذلك شخصيات أدهم وجبل ورفاعة وقاسم. فوجئ محفوظ بالاتهام حيث أنه لم يجد ثمة جريمة في أن يستوحي من قصص الأنبياء قصة يعبر فيها عن واقع اجتماعي وفلسفة حياتيّة وإسقاطات سياسية هامّة.
كانت شخصيته تقاوم الصدامات وغير محبّة لإثارة الجدل، فقد كان كاتباً فقط يريد أن يكتب ويقرأ له الناس ثم ينتظرون روايته القادمة وهكذا تسير الحياة. إلا أن الأزمة هنا وضعته في اختبار حقيقي وقد كان شجاعاً بالقدر الكافي ليوافق على مناظرة مشايخ الأزهر آنذاك ويذهب في موعد المناظرة في مكتب الدكتور حسن صبري الخولي ولكن لم يحضر أحد من الطرف الآخر للمناظرة، ويضيف محفوظ في حواره عام 1998 بأنه مازال ينتظر هؤلاء منذ خمسة وثلاثين عاماً ولكنهم لم يحضروا.
وبعد أن خمد الصراع بإصرار هيكل على استئناف نشر حلقات الرواية، واهتمام عبد الناصر باكتمال ذلك الصراع مع مزايدات التيارات الدينية المعتادة لديه عاد الصراع مرة أخرى بعد جائزة نوبل والترويج لفكرة حصوله على الجائزة على تلك الرواية المثيرة للجدل. وقد شاء القدر أن تأتي طعنة السكين في رقبة محفوظ كرد متأخر على نشر الرواية بعد عقود في أول فرصة استطاع فيها التيار الديني أن يتفشّى تحت إشراف السُلطة التي كانت تستخدمه كأداة لترويض الشعب وتخويف أصحاب الرؤى والفكر.
والحقيقة أن لرواية “أولاد حارتنا” زوايا رؤية تفوق تلك الزاوية الضيّقة اتساعاً ورحابة. فقد كانت الرواية تعبّر عن حال البشرية وتطور الوعي الإنساني من ناحية وعن التطور السياسي والمجتمعي في مصر من ناحية أخرى مستوحية من التراث الديني صورها وخطوطها الدرامية. فقد كان أدهم يعبّر بشكل ما عن شرارة الحضارة والبناء الذي يمكّن جيله من استحقاق أن يرث الأرض وخيراتها له ولنسله من بعده مستوحية من شخصية النبي آدم الأبعاد الدرامية والصراع. وكذلك شخصية جبل التي أتت من قصة النبي موسى بما يعبر عن استرداد المسلوب من الحضارة وتمكين الشعب منها. كما كانت شخصية رفاعة المنسوجة من سيرة المسيح عيسى بن مريم معبرة عن بداية الميل لفكرة السلام والطمأنينة التي قد يبذل حاملها ذاته ليترك بعضها في قلوب الناس ويورث المحبة كميراث مستحق كميراث الناس في الوقف المسلوب. وكذلك شخصية قاسم المستوحاة من السيرة النبوية والمعبرة عن تطور الصراع البشري والانفتاح على الآخر وفتح باب الاجتهاد الفكري والاجتماعي لتطوير المنظومة الاجتماعية. وختاماً تأتي شخصية “عرفة” والتي لم تؤخذ من أي سيرة نبوية بل إنها تعبّر عن الحداثة والعلم متمثلين في جيل مبهم كلّما هَم بفعل شيء للخير مبني على اجتهاده العقلي والعلمي، أتى الأمر بالتوبيخ والعقاب ومحاولات الاحتواء والرشوة. كان عرفة دائم الاجتهاد محباً للجبلاوي الجد الأكبر الذي تسبب في مصرعه حينما قرر الاندفاع نحو الأسفار والحُجّة في الغرفة السريّة بينما قابلته الخادمة لتخبره بأن الجبلاوي قد مات راضياً عنه. عاش رفاعة بتأنيب النفس ومات مقتولاً وهو يحاول أن ينفع البشر في حارته وترك خلفه “كرّاسته” التي ترك فيها خلاصة اجتهاده ليبحث عنها شقيقه وأتباعه في مقالب القمامة محققين معادلة الاجتهاد والتحضّر والمحبّة والسلام والقوّة والانفتاح والعلم والمعرفة، تلك المعادلة التي نشأت تحت ظل الجد الأكبر ليكتمل السعي البشري بمعادلته السحريّة. ويختتم كل فصل بمقولة أن آفة حارتنا النسيان، وربما كان يعتمد محفوظ على تلك الآفة في إنهاء أزمة روايته التي تنبأت بالجيل الحالي من الشباب الذين يسعون ويسعون دون كلل حتّى يدركوا كرّاس عرفة ليرثوا به الأرض بالجهد والنضال والمعرفة معاً.
لا تنتهي الجيوب السريّة في عالم محفوظ ولا يكفيها الكتب، فقد ترك الرجل كنزاً كلّما نُبش به جاء بالمزيد من الدُنى والحيوات. مات الرجل منذ أعوام تحت ذات السماء وفوق نفس التراب الذي احتضن جثمانه. جثمانه الذي أرادت الشرطة تفتيشه قبل دخوله الجنازة التي حضرها مبارك. فقد سخر القدر إلى حد الريبة من جثمان رجل عاش ومات محارباً للإرهاب ولتكتمل التهم الموجّهة للرجل ليُشتبه في تورّط جثمانه في عمل إرهابي.
عكفت الشمس على الظهور في موعدها الذي لم يخلفه نجيب يوماً للاستيقاظ، وواصلت الأرض الدوران في مساراتها حول نفسها وحول الشمس. استمرّت الجحافل البشريّة في تشريف عالمنا والذهاب والإياب من حارة إلى حارة ومن رَبعٍ إلى آخر وتفشّت آفة النسيان، ولازال تعدادنا مطّرداً وأزماتنا متزايدة ولكن كما قال النجيب: “البحث عن العدالة يقف دائماً خلف كُل ثورة وكُل ثائر. ولولا أن آفة حارتنا النسيان ما انتكس بها مثال طيّب ولكن، آفة حارتنا النسيان”
مايكل عادل

Leave a comment