
“صوتٌ يأتي من خلفي ليُذكّرني
فلترتفع أجنحتك… فأنتَ ملاك
وتذكّر أن تنتقل بسرعة الضوء
والقليل من الحُب، والمُتعة”
إنها “مَسيرة الملكة السوداء”. الملحمة الأسطورية لفرقة “كوين” الصادرة عام 1974، والتي صنعها مُغنّي الفرقة وكاتب الكلمات وصانع اللحن والمؤلف الموسيقي الأسطوري “فريدي ميركري”. و”ومسيرة الملكة السوداء” هي قطعة فنيّة سريالية سواء على المستوى الموسيقي أو الشِعري أو الغنائي. ألفها “فريدي” –كالعادة-للتعبير عن بُعد جديد من أبعاد الصراع بداخله، ولكن هذه المرة هو صراع بين رجل وامرأة بداخل شخص واحد. وقد أتت تلك الملحمة قبل عام واحد من “الملحمة البوهيمية” الشهيرة والتي عبّرت عن صراع داخلي آخر بشكل سريالي أيضًا، وهو الصراع بين الطفل والرجُل، والذي هو في مضمونه صراع مع سير الزمن والأحداث، صراع مُبكّر مع الموت الذي طرق الباب بعدها بستة عشر عامًا. ونحن في غنى عن التعريف بتلك الملحمة الآن لأسباب عديدة.
اعتاد “فريدي” أن تأتي أغلب الأغنيات التي صنعها لفرقة “كوين” على ذلك النحو، صراع صاخب وضخم وسريالي للغاية، وداخلي للغاية. صراع لا نستطيع الإمساك بطرف خيطه ولكننا نشعر به في أقصى وجداننا، سواء بالكلمات أو الموسيقى أو الصوت الأسطوري الذي وصل بمداه إلى “5 أوكتاف” وهو رقم تاريخي يحتاج إلى شرح طويل من أحد المختصين. المهم هنا أن ذلك الصراع المُستمر داخل هذا الشخص قد انتقل إلينا بكافّة الصور، وبكُل تطوراته على مدى سنوات عُمره الـ 45 وتحديدًا منذ بداية احترافه عام 1970 وحتى انطلاقه مرة أخرى إلى السماء عام 1991، ذلك الحدث الذي لم يقل أسطوريّة عن خمسة وأربعين عامًا من الحياة العامرة بالأحداث والإنجازات.
“كوين” أو “المَلِكة”… حينما يُطلق على الاسم على فرقة روك آند رول إنجليزية، فقد نكون أمام إسقاط واضح على القصر الملكي الذي تقطنه ملكة فعلية تملك البلاد بمستعمراتها. هل يريد فريدي الذي أطلق هذا الاسم على الفرقة بدلًا من “سمايل” أو “ابتسم” أن يقول لنا أن الفن يَحكم الآن؟ ربّما
ولكن لو وضعنا في اعتبارنا الميول الجنسية المثلية للأسطورة فريدي فقد نكون أمام معنى آخر. فالمَلِكة هو الاسم الذي يُطلق على الشخصية الرئيسية التي يُحتفَى بها من الجميع في التجمعات الأكثر خصوصية، وهنا قد يحمل الاسم دلالة أخرى، ربما أن تلك الفرقة هي “المَلِكة” بين فِرَق الروك الأخرى… الملكة التي يحتفي بها الجميع بنَهَمٍ وشهوة لا تُقاوَم، وفي الواقع هذا ما كانت عليه “كوين” طالما كان فريدي بين صفوفها.
“أنا سفينة فضاء في طريقي إلى المرّيخ
على مَسار تصادمي
أنا قمَر صناعيّ
أنا خارج السيطرة
ماكينة جِنسيّة مستعدة للعمل
كقنبلة ذريّة على وشَك الانفجار
أنا جسيم محترق بالسماء
على 200 درجة
“لذلك يسمّونني “السيّد فهرنهايت
أطير بسرعة الضوء
وسوف أجعل منك مَوجة فوق سمعيّة
فلا توقفني الآن”
في عام 1978، طُرحت تلك الكلمات ضمن أغنية بعنوان “لا توقفني الآن”. أغنية عن السعادة الخالِصة، كل ما بها ينبض بالسعادة. صور خيالية فريدة من نوعها في عالم الشعر الغنائي، مُستمدة من مصطلحات علميّة في الفيزياء وعلوم الفضاء. ظن الجميع وقتها أنه بالتأكيد كاتب هذه الكلمات هو عازف الجيتار بالفرقة “براين ماي” الحاصل على دكتوراه في الفيزياء وعلوم الفضاء. في واقع الأمر أن صانع تلك الأغنية بأكملها هو “فريدي ميركري”. الوحيد في فرقته الذي لم يحصل على شهادة في العلوم، بين “روجر تايلور” عازف الدرامز وطبيب الأسنان و”جون ديكون” عازف الباس جيتار ومهندس الميكانيكا وكذلك “براين ماي” بروفيسور الفيزياء وعلوم الفضاء. فريدي هو الوحيد الذي درس الفن، تشكيليًا وموسيقيًا. أتى بتلك الصور الغريبة على لغة الشعر الغنائي من قراءاته التي لم تتوقف لحظة وشغفه الكبير بالكون ومحركاته والثقافات والهويّات وتقاليد الشعوب واللغات. العديد مما ألّف “فريدي” من أغانٍ ضم عدد لا بأس به من لغات غير الإنجليزية. ففي مقطع واحد من الملحمة البوهيمية تكلّم بالإنجليزية، العربيّة، العبريّة والإيطالية. وهويّته المميزة كشخص وُلد بـ “زنزيبار” في تنزانيا، تربّى بين الهند وإيران وانتقل بعد ذلك مع أسرته “الزرادشتية” الديانة إلى إنجلترا هربًا من الاضطهاد الديني، تلك الهويّة كانت أحد أهم مفاتيح تميّز إنتاجاته الفنيّة وهي –بالمناسبة- كانت مصدر فخر دائم له كـ “فاروق بولسارا” الذي أصبح فيما بعد “فريدي”.
في إحدى أغنياته بعنوان “مصطفى” كان يدمج عبارات عربية إسلامية مثل “عليكم السلام” وعبارات فارسية عديدة بطول الأغنية، وهي مستمدّة من المدح النبوي المنتشر بإيران بتوزيع روك آند رول ولحن يبدأ بنغمة موّال ثم ينطلق بنغمة المدح الشعبية ولكن بإيقاع سريع. وهي بدت غامضة لكافة جماهير كوين والذين اضطروا إلى البحث خلف تلك الكلمات المبهمة ليدركوا أنهم أمام شخص ملتحم تمامًا بجذوره وأصوله والثقافات التي نشأ بينها في طفولته والتي استطاع توظيفها بتمكّن تام خلال مشروعه الفنّي. نحن الآن أمام رجل إنجليزي يتقن الفارسية وعلى دراية بالعربية ومُطّلع على الإيطالية والعبرية، مُطرب ومؤلف موسيقي وشاعر ضليع في علوم الفيزياء والفضاء. يعتز بجذوره ويعتبرها مكوّن أساسي ومحوري لمشروعه الفنّي “يجب التأكيد على تلك المعلومة كثيرًا”.
“أستيقظ يوميًا، لأموت قليلًا
بالكاد أقف على قَدَميّ
أُلقي نظرة على المرآة، وأبكي
يا إلهي، ماذا تفعل بي؟
أفنيت سنواتي مؤمنًا بكَ
واليوم، لا أجد الدواء
يا إلهي… أريد إنسانًا للحُب
أعمل بجِد
كُل يومٍ في حياتي
أعمل حتى تؤلمني عظامي
وفي نهاية اليوم، أدفع ثمنًا باهظًا من ذاتي
أركع على رُكبتَيّ وأبدأ بالصلاة
حتى تنهمر الدموع من عيني
أريد إنسانًا للحُب
صرت بلا إحساس
بلا إيقاع
فَقَط أفقِد نبضي
أنا بخير
أنا سَليم
لا أريد مواجهة هزائم أخرى
أريد فقط الخروج من تلك الزنزانة الضيّقة
ذات يوم سأصير حرًا
يا إلهي”
انتهت السبعينيّات بأحداث متتالية، انفصل فريدي وعشق حياته “ماري أوستن” بعد أن قرر التصالح مع ميوله وحسم صراعه الداخلي. لا يريد أن يجرحها، لا يستطيع فقدانها. هو ذكي بالقدر الكافي لإبقائها بالجوار، تحت النظر دائمًا. تنخرط ماري في حياته كما ينخرط هو نفسه. ولكنه وحيدًا. مظهره وأزيائه أنثوية الذوق لم تعد ترضيه. هو الآن متصالح مع كونه مزدوج الميول الجنسية، حسنًا! لا يريد فريدي أن يأخذ المظهر التقليدي للمثلي الذي ترفضه تلك المجتمعات المحافظة، ولا يريد أيضًا أن يحكم البشر على بعضهم بالمظهر. يترك شاربه ويقصّر شعره، يلعب رياضة، يرتدي ملابس تبرز تكوينه الجسماني ذكوري الطابع. حسنًا، الآن الجماهير أمام مظهر مكتمل للذكورة. فرقة “البيتلز” انحلّت، ثم مات جون لينون مؤسسها برصاصة غادرة بالولايات المتحدة. الساحة خالية الآن يا فريدي! جولة بأمريكا، جولة بالبرازيل، جولة بالأرجنتين، جولة باليابان، فرنسا، الدنمارك، ألمانيا… كوين تتربّع منفردة على عرش الروك آند رول. ثم إطلاق أغنية بعنوان “أريد أن أتحرر” وفيديو كليب يظهر فيه أعضاء الفريق بملابس النساء في أغنية تتكلم عن الصراع بين الخوف من الوحدة من جانب والبقاء بعلاقة سامّة من جانب آخر، وها هي أمريكا بلد الحريّات تمنع إذاعة الأغنية وتلغي حفلات “كوين”… المنع الذي تحوّل إلى مقاطعة أدارها فريدي بالضغط على باقي أعضاء كوين
“ماري” مازالت بالجوار و”فريدي” ماهر بالقيادة والتحكم بزمام الأمور. حتى بعد اكتشافه أنه مصاب بمرض نقص المناعة “الأيدز” وبدء تدهور حالته الصحية بسرعة كبيرة. أحلامه المؤجلة للشيخوخة أصبحت مجرد خيال. حلم أن يقدّم أنواع مختلفة من الموسيقى كالأوبرا والكلاسيك ميوزك حينما يكمل الخمسين.
بعد الحفل التاريخي لكوين في مدينة مونتريال عام 1986، سافر فريدي لألمانيا وسجّل مجموعة أغنيات خاصة به وأغنية “المُدّعي الأعظم” الكلاسيكية والتي غنّتها فرقة “البلاترز” عام 1957. ثم ركض ركضًا لأسبانيا ليحقق حلم الغناء الأوبرالي بمشروع “أوبرا برشلونة” مع السوبرانو الكبيرة “مونتسرات كاباييه” وقدّم معها عدد من الإنتاجات المُدهشة مثل “الفتى الذهبي” و”برشلونة” وكذلك قدّم بمفرده “انتقام رحمانينوف”. حققت تلك المشاريع الموسيقية نجاحًا كبيرًا وطفرة في عالم صناعة الموسيقى بأن تقدّم مقاطع قصيرة بطابع أوبرالي ملحمي على ذلك النحو. ثم جاء التدهور الصحّي الأكبر ليعود فريدي إلى لندن مرة أخرى عام 1988.
“طالما بقت الشمس بحضن السماء
والرمال بالصحراء
طالما استمرّت الأمواج بالبحار
وقابلت اليابسة في نهاية المطاف
طالما هناك رياح ونجوم وقوس قزح
سنستمر بالمحاولة
لكسر الخط الرفيع
بين الهزيمة والأمل”
غياب عن الساحة لسنوات، الجماهير تنتظر وتبدأ في الانصراف إلى أشكال أخرى من الموسيقى بدأت في غزو السوق. لافتات مُبهمة تبدأ في الانتشار بمقاطعات لندن ثم تنتقل إلى المدن الأخرى. لوحة مرسومة بخطوط هاوية لمُهرّج يرتدي ملابس بألوان علم الولايات المتحدة الأمريكية، يلعب بكُرات ضخمة تبدو وكأنها كواكب وأجرام سماوية ومكتوب عليها كلمة واحدة “إنيويندو” والتي تعني “تعريض أو تلميح” ولكن هذا المعنى ليس دقيقًا بقدر التعبير المصري العامّي “غَمز ولَمز” أو “تلقيح كلام”! قطعًا هي حركة سياسية جديدة معادية لأمريكا أو للسياسة الاستعمارية الجديدة، أو ربما هي حملة جديدة لحزب العمال. كلها احتمالات واردة، وهناك احتمالات أخرى ليس من ضمنها أن تكون تلك اللوحة هي غلاف لمشروع موسيقي جديد لفرقة الروك التي بدأ الناس في اليأس من عودتها مرة أخرى. إنها ليست مجرد عودة لـ “كوين” بل إنها المشروع الأقوى على الإطلاق لفريق الروك الأسطوري، العودة الأكثر إبداعًا والطفرة الموسيقية الجديدة في عالم الروك آند رول. وهي أيضًا الألبوم الأخير لفرقة كوين في 14 يناير 1991. الأغنية الرئيسية التي تحمل الكلمات السابقة بمطلعها امتلأت بصيحات الأمل والغضب والتساؤلات الوجودية “أهناك عدالة كونية؟ أهناك حل للعنصرية في ظل توظيف الأديان في خدمة السياسة والبيزنس؟ لا تؤاخذني لو كانت تلميحاتي جارحة، ثم تدخل موسيقى الفلامنكو تقتحم الأغنية كضربة على الرأس”
ولكن أين فريدي؟
الأغنية صدرت بفيديو كليب من الرسوم المتحركة مع لقطات من فيتنام، فلسطين، هيروشيما وأماكن مختلفة من العالم. أين نجم الفريق المنتظر؟ هو في أسوأ حالة صحية ممكنة، دون أن يعلم الجمهور ما أصابه من الأصل. أرادت كوين أن تجيب عن تلك التساؤلات بإصدار فيديو كليب لأغنية “تلك هي أيام حياتنا” لتظهر فيه الفرقة بأكملها وبينها فريدي. الحقيقة أن كواليس تصوير هذا الفيديو البسيط لم تكن بسيطة بالمرّة، القُرح تملأ وجه فريدي، جسده هزيل كأنه يتحلل حيًا، وجهه يحتاج لكميّات خيالية من المكياج ليتمكّن من الظهور أمام الكاميرا، ولكن عينه لم تزل تلمع وابتسامته مازالت على وجهه. وحتى بعد المكياج وضبط الإضاءة وزوايا التصوير اضطر فريدي لأن يقترح على صنّاع الفيديو أن يتم تلوينه بالأبيض والأسود لمحو أي أثر للقرح على وجهه، والتي لم يتمكّن المكياج من إخفائها نهائيًا. تم إصدار الفيديو، فزادت التساؤلات حول حقيقة حالة السيد فهرنهايت
…
“فضاءات خالية… ما الذي نعيش من أجله؟
أماكن مهجورة… أظنني أعرف المُحصِّلة!
المزيد والمزيد من الوقت
أيعلم أحد ما الذي نسعى خلفه؟
بطل آخر؟
جريمة جنونية أخرى؟
خلف الكواليس، بالتعبير الحركي؟
هل مازال هناك من يسعى خلف الحياة بعد؟
العرض يجب أن يستمر!
قلبي يتحطّم بداخلي
زينتي بدأت في التلاشي
أمّا ابتسامتي… فلم تزل حيّة
أيًا كان ما سيحدث
سأترك الأمر للفرصة
وجع جديد بالقلب؟ غراميّات فاشلة أخرى؟
المزيد والمزيد من الوقت؟
ما الذي نعيش لأجله؟
أظنني لازلت أحيا وأتعلّم… أظنني دافئ الآن
قريبًا سأتحوّل لصورة أخرى
في ركن آخر من الكون
الفَجر يبزغ في الخارج
ولكنني هنا داخل الظلام أتألّم لتتحرر روحي
والعرض يجب أن يستمر
روحي مرسومة كأنجنحة الفراشات
أساطير الأمس ستكبر، ولن تموت
أما أنا فأستطيع الطيران يا أصدقائي
والعرض يجب أن يستمر”
جاءت تلك الكلمات المُقبضة الغاضبة في الرابع عشر من أكتوبر عام 1991، كان فريدي جالسًا على كرسي داخل الاستوديو يسعل ويكاد يفقد الوعي. مستندًا على مسند المقعد في إعياء غير طبيعي أن يلم به خارج المستشفى. قرر براين ماي أن يتم تسجيل الأغنية على ثلاث مرّات كي يستطيع فريدي أن يؤدّي ويلتقط أنفاسه، كانت تلك هي الخطة حتى قبل دقائق من بدء التسجيل. الموسيقى جاهزة، صوت الكورَس مُسجّل بالفعل، لا ينقصنا الآن سوى صوت السيد فهرنهايت العظيم الذي بالكاد يخرج من فمه أثناء الحديث وسط سعال هيستيري وألم كبير بالصدر.
كعادته قبل الغناء، تركيز شديد، عين مغمضة، توحّد كامل مع الحالة الفنيّة.
“أنا جاهز يا براين، لا تضبط الميكروفون على المقعد. سأسجّل واقفًا على قدميّ، وسأغنّيها كلها مرة واحدة”
أقسم براين بداخله أن فريدي المُضجر بعناده والمتحدّي كالأطفال سيصرف نظر عن هذا القرار بمجرد أن يشعر بالإعياء وسط الغناء، أما ما حدث فقد اختلف قليلًا.
وقف كجثّة تعود للحياة، لم يقبل بأن تسنده يد أحد، أغمض عينيه وبدأت الموسيقى الجنائزية التي استهَلّ بها لحنه وانطلقت حنجرته بغناء الكلمات التي كتبها. صوته رائع! ورائع هنا هو وصف قليل على الأسلوب الذي أدّى به الأغنية الأخيرة في حياته، رائع وغاضب وصارخ ولا يمكن أن يكون هذا صوت رجل سيواجه الموت بعد أسابيع قليلة من اليوم… غنّى كما لم يفعل من قبل. بالفعل تم تسجيل الأغنية على مرّة واحدة دون تقطيع ودون خطأ واحد، ولكن! الجملة الأخيرة لم تخرج من فمه بالكلمات فقط، انطلق معها سيل من الدماء وانقطع النفس لدقائق وسقط فريدي بلا وعي لينتقل بسيارة إسعاف إلى المستشفى. التشخيص هو التهاب رئوي حاد بلا مقاومة من الجسد الخالي تمامًا من المناعة، فريدي أوقف الأدوية التي تساعد جسده على المقاومة قليلًا قبل تسجيل الأغنية!
“أنا مصاب بالإيدز، الأمر حرج للغاية”
جملتين استجمع فريدي شجاعته لقولهما بمداخلة هاتفية ببرنامج إذاعي في الثاني والعشرين من نوفمبر عام 1991. وفي اليوم التالي أعلن تلفزيون “بي بي سي” انطلاق الروح الحرة بسرعة الضوء في السماء، ربما بحرارة تبلغ 200 درجة كما وعد السيد فهرنهايت. ثروته كلها كُتبت باسم “ماري أوستن” ووصيته لم تتعدّ كلمات أغنيته الأخيرة سوى بشأن قططه المُدللة التي خصّها بحصة من ثروته وفقرة كاملة من الوصية.
……………
في نوفمبر عام 2018 صدر فيلم أمريكي بعنوان “الملحمة البوهيمية”، وقد كُتب تحت إشراف عازف الجيتار العالمي “براين ماي”. قام ببطولته الفنان المصري الأميركي “رامي مالك” الذي حصل على أكبر جوائز التمثيل عن دوره به، ليسجّل نجاح ساحق لممثل من عائلة مهاجرة استطاع الوصول للعالمية. بينما لم تحصل المعالجة السينمائية على أي جائزة، وبمقارنتها بما كُتب هنا يمكننا معرفة سبب ذلك. الحقيقة أن القصة لا علاقة لها بفريدي سوى أن بطلها كان له نفس الاسم، لا الشخصية تطابق الواقع ولا علاقتها بمن حولها جاءت على ذلك النحو. فريدي لم يتنكّر لأصوله أبدًا، بالعكس. فريدي كان يمتلك كاريزما أسطورية، وشخصية قوية للغاية لا تخضع لأحد، ولا حتى لأدوية المناعة التي قد تبقيه على قيد الحياة وقت أطول! بذل رامي جهدًا في إطار السيناريو المكتوب، ولكن بالتأكيد لم تخرج الشخصية قريبة حتى من فريدي. الشاعر الراقص المؤلف الموسيقي المتباهي لحد الغرور، الذكي المتحكم في كل ما ومن حوله والذي قدّمه الفيلم متنكرًا لأصوله، سطحي وخائف ومهتز يقوم بعض الصحفيين بالتطاول عليه فيحشرج صوته! لم يمسك كتابًا طوال الفيلم! لقطات واسعة بالجملة له أمام براين ماي ليظهر قصير القامة ضئيل الحجم للغاية! عين خضراء لفريدي صاحب العين البُنيّة الفاتحة والملامح الشرقية الفجّة، هويّته الجنسية التي وظّفها بشكل ذكي جدًا لتقديم محتوى إبداعي أظهرها الفيلم وكأنها عائق عن فنه، نشأته المختلفة التي استغلّها أروع استغلال وافتخر بها دائمًا قدّمها الفيلم كوصمة عار. الفيلم في الغالب هو عن القديس براين ماي الذي لا يخطئ والذي عانى مع الفتى الطائش فريدي المهتز المفتقد للحكمة. حتى الحقبة الزمنية المختارة (1970-1985) الفترة الخالية من أغلب الدراما الحقيقية التي توضّح قوة هذا الرجل في محاربة المرض وتحديه وتحقيق أحلامه بالرغم من قصر العُمر “بعد 1985″، وفي تحدي الفقر والتهجير والحصار “قبل 1970”. كان لابد أن يُسمّى الفيلم “ملحمة براين” أو “حكيم عصره وأوانه” بدلًا من أن يسمّى باسم الأغنية التي أتى تأريخها به بكم هائل من المغالطات، ليتم حشو أدوار لبراين ماي وروجر تايلور بها. بينما المعلومة الجديدة هي أن كافة الأصوات بالأغنية هي في الحقيقة صوت فريدي ميركري والذي سجّل كل منها بطبقة مختلفة في جلسة طولها نصف ساعة وهي موجودة بالفعل على الانترنت
الفيلم فاز بجوائز كلها تخص الصوت عن استحقاق تام، ونافس فيه رامي مالك أحد أساطير هوليوود “كريستيان بيل” ليفوز رامي عن دوره الذي –بالتأكيد-لم يكن سهلًا بالمرة عليه، وكان ليكون أصعب كثيرًا لو جاء الفيلم خارج الحسابات الشخصية لبراين ماي وهوليوود. وربما هذا ما أغضب محبّي فريدي ميركري من الفيلم، وليس لأنهم كانوا طامعين في الأوسكار لأنفسهم. وعلى كُلٍ ففريدي الحقيقي هنا للأبد، ولن يصعب على الناس اكتشافه… فالعرض مازال مستمرًا

Leave a comment