
“عايز اروّح بقى”
ربما هي الجملة الأخيرة التي قالها الأديب العبقري نجيب محفوظ على فراش الموت بمستشفى الشرطة بالعجوزة – كما يروي عنه الكاتب “محمد سلماوي” – المستشفى التي كانت على بُعد خطوات قليلة من منزله، وهي التي استقبلته حينما انغرس سكّين التطرف في عنقه ثم انكتب له عُمراً جديداً. لم يتفهّم أحد الموجودين مغزى جملته إلا أصدقائه وأجابه البعض بأن البيت في الجوار ولا ينقصهم سوى أن تتحسن حالته ويشد حيله، إلا أنه كان يعني ما هو أكبر من ذلك وأبعد بكثير مما وصلهم من معنى.
بغض النظر عن إصرار محفوظ على البُعد الإبداعي لعباراته حتى على فراش الموت وفي اللحظات الأخيرة، وتصميمه على النظر للحياة من منظوره الخاص حتى حين آن أوان الوداع. بغض النظر عن كل ذلك، أن يقول أحدهم تلك الجملة بتلقائية من يستعد لفراق الحياة ليعبّر عن رغبته في الرحيل بأسرع وقت، هو أفصح تعبير عن منطق “حب الموت” الذي تحدث عنه محفوظ قبل عدة سنوات من تلك اللحظة.
“في هذه اللحظة من العُمر، أرى أنني قد أقمت حياتي في هذه الدنيا على أساس الحب. حب العمل، حب الناس، حب الحياة وأخيراً حُب المَوت”
هكذا تحدّث محفوظ حينما قرر أن يتحدث عن المحور الذي دارت حياته حوله. الحب هو المحرّك الأساسي لحياة الفرد والجماعة بل قد يكون هو المحرك الأساسي للتاريخ، حتى وإن كان الحب الذي نتحدث عنه هو “حب الموت”. إن مجرّد اعتبار الموت في لحظة ما هو فرار إلى المنزل، فهو في تلك الحالة لا يصنّف موتاً بالمعنى المُنفر الذي اعتدنا تناوله –رغماً عنا-حتى وإن كنّا فلاسفة. الموت حينما يصبح بمثابة عودة إلى البيت فهو أحد أجمل أنواع الحب وأكثرهم جمالاً، الانتماء لشيء ما أو مكانٍ ما والذي يندرج تحته حب الوطن والتعلق بالأماكن واللحظات. فربما الحب الأكثر نضجاً على الإطلاق هو حب الموت، فهو ليس نفوراً من الحياة بل ربما يكون مصاحباً لإقبال جَم على الحياة والانغماس فيها حتى الغرق. تلك المَلَكَة التي تضفي على من امتلكها فضيلة الاستغناء والاستعداد للمغادرة دون إذن أو إشارة أو حتى إلقاء التحيّة على الجالسين. من يفقد مقته للمغادرة ليس كمن فقد شغفه بالحياة، فهناك من يرى في الموت بوّابة لجديد يتوق لرؤيته وهنا يصبح حب الموت امتداداً لحب الحياة وخطّاً مستقيماً بلا نهاية. شوق إلى اكتمال ما لم يكتمل بعد، وتبديد لآخر قطرة من الوهم بترسيخ اليقين التام، فلا مجهول بعد الموت.
الحياة كمتتالية من الإخفاق والتحقق، سعادة مفرطة متبوعة بخيبة أمل مضنية، ألم بعد راحة وراحة بعد تعب، الحياة بتلك الصورة ليست سوى ساحة استكشاف واسعة نقابل بين فصولها أنفسنا بين حين وآخر وفي كل لقاء تختلف الصورة قليلاً، تزداد زيفاً حيناً وحقيقة في حينٍ آخر، حتى نصل إلى الكمال التام بينما نهِم للذهاب إلى البيت، ونتّجه من الحب الأول والثاني والثالث إلى الحب الأخير.. حُب الموت.

Leave a comment